الجاحظ
80
رسائل الجاحظ
واللذات كلها إنما تكون بالحواس ، والمأكول والمشروب حظ لحاسة الذوق لا يشركها فيه غيرها . فلو أكل الإنسان المسك الذي هو حظ الأنف وجده بشعا واستقذره ، إذ كان دما جامدا . ولو تنسم أرواح الأطعمة الطيبة كالفواكه وما أشبهها عند انقطاع الشهوة ، أو ألح بالنظر إلى شيء من ذلك ، عاد ضررا . ولو أدنى من سمعه كل طيب وطيب لم يجد له لذة . فإذا جاء باب القيان اشترك فيه ثلاثة من الحواس ، وصار القلب لها رابعا . فللعين النظر إلى القينة الحسناء والمشهية إذ كان الحذق والجمال لا يكادان يجتمعان لمستمتع ومرتع ، وللسمع منها حظ الذي لا مئونة عليه ، ولا تطرب آلته إلا إليه . وللمس فيها الشهوة والحنين إلى الباه . والحواس كلها رواد للقلب ، وشهود عنده . وإذا رفعت القينة عقيرة حلقها تغني حدق إليها الطرف ، واصغى نحوها السمع ، وألقى القلب إليها الملك ، فاستبق السمع والبصر أيهما يؤدي إلى القلب ما أفاد منها قبل صاحبه ، فيتوافيان عند حبة القلب فيفرغان ما وعياه ، فيتولد منه مع السرور حاسة اللمس ، فيجتمع له في وقت واحد ثلاث لذات لا تجتمع له في شيء قط ، ولم تؤد إليه الحواس مثلها . فيكون في مجالسته للقينة أعظم الفتنة ، لأنه روي في الأثر : « إياكم والنظرة فإنها تزرع في القلب الشهوة » . وكفى بها لصاحبها فتنة ، فكيف بالنظر والشهوة إذا صاحبهما السماع ، وتكانفتهما المغازلة . [ 27 - القينة لا تخلص الحب ] إن القينة لا تكاد تخالص في عشقها ، ولا تناصح في ودها ، لأنها مكتسبة ومجبولة على نصب الحبالة والشرك للمتربطين ، ليقتحموا في أنشوطتها ، فإذا شاهدها المشاهد رامته باللحظ ، وداعبته بالتبسم ، وغازلته في أشعار الغناء ، ولهجت باقتراحاته ، ونشطت للشرب عند شربه ، وأظهرت الشوق إلى طول مكثه ،